السيد عباس علي الموسوي
448
شرح نهج البلاغة
في الأرحام وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت » . . . الثاني : إن من صدّق منجما واعتمد عليه انقطع إليه واستغنى عن الاستعانة باللهّ في نيل ما يحب ودفع ما يكره وذلك من منظور أن المنجم يحقق ما يريده طالب الخير وما يريده دافع الشر ويدل هذا الإنسان على موارد الصلاح والنصر وموارد الفساد والهزيمة فلا يرجع الإنسان عندها إلى اللّه ويستغني عن الاستعانة به وطلب المدد منه بالتوجه إليه والدعاء له والخضوع لساحة قدسه وفي هذا مخالفة لمسلمات الإيمان باللهّ وأوليات العقيدة التي تربط هذا الإنسان باللهّ الذي لا يمكن الاستغناء عنه سبحانه في استمرار الوجود الذي هو على مستوى الحاجة إليه في أصل الوجود . . . الثالث : إن هذا المنجم يستحق الحمد من المتبع لأقواله لأنه يرشده إلى ساعات الهداية ودفع الضر وساعات البلاء والنصر وهذا الحمد يستحقه من دون اللّه وفي هذا فساد للعقيدة وانحراف عن الدين فإن اللّه وحده هو الذي يستحق الحمد بقول مطلق « الحمد للهّ رب العالمين . . » وأما ما يرد من الخير عن أيدي الناس فشكرهم باعتبار أنهم وسائط الخير وأدلته وأنهم لا يدعون في جنب اللّه شيئا من الاستقلالية والانفراد . . . ( أيها الناس إياكم وتعلّم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر فإنها تدعو إلى الكهانة ، والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار سيروا على اسم اللّه ) بعد أن بيّن فساد التنجيم وضلال المنجمين التفت إلى الناس ووجه إليهم النهي عن تعلّم أحكام النجوم لما لها من أثر سئ على العقيدة من حيث يضل فيها الإنسان ويقطع صلته باللهّ ويعتمد على علم النجوم في حركاته وسكناته واستثنى من هذا النهي ما كان من هذا العلم يهتدى به إلى النجاة والخلاص أو إلى عبادة فكل أمر ديني أو دنيوي يمكن أن يستفيده من هذا العلم يباح له تعلمه قال تعالى في مقام المنّ على بني آدم ( 1 ) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ . . وقد ورد عن الأئمة تعيين القبلة ببعض الكواكب كالجدي وغيره . . . ثم إنه عليه السلام بين أسباب النهي ودواعيه من حيث أنها تدعو إلى الكهانة التي حرمها الشارع أما لأن صاحب علم النجوم يحب تعلم الكهانة أو أنه يصبح كالكاهن يخبر عن الأمور الغائبة منقطعا عن اللّه ولا يسندها إليه . . . ثم شبهّ المنجم بالكاهن وقد كان الكاهن يخبر عن الأمور الغائبة وللعرب سهم
--> ( 1 ) سورة النحل ، آية - 16 .